فخر الدين الرازي

226

الأربعين في أصول الدين

دائمة . والجمع بينهما محال . فكان الجمع بين استحقاقيهما محالا . وثبت : أن استحقاق العقاب حاصل في الحال ، فوجب أن يكون استحقاق الثواب غير حاصل في الحال . فثبت بهذا الطريق : أن عمومات الوعيد راجحة على عمومات الوعد . وهذا الدليل الّذي ذكرناه : جميع مقدماته ظاهرة ، الا قولنا : ان الفاسق ، يلعن ويقام الحد عليه ، على سبيل التنكيل ، وعلى سبيل العذاب ، وعلى سبيل الخزي . فنقول : الدليل على أنه يلعن : قوله تعالى في قاتل المؤمن : « وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ » ( النساء 93 ) « أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ » ( هود 18 ) والدليل على أنه يقام عليه الحد على سبيل التنكيل : قوله تعالى : « وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا ، نَكالًا مِنَ اللَّهِ . وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ » ( المائدة 38 ) الآية . والدليل على أنه يحد على سبيل العذاب : قوله تعالى في الزانية والزاني « وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ » ( النور 2 ) والدليل على أنهم من أهل الخزي : قوله تعالى في قطاع الطريق : « إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ » إلى قوله : « ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا . وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ » ( المائدة 33 ) فثبت بهذه الوجوه : أن استحقاق العذاب حاصل . فكان استحقاق الثواب زائلا . وهذا يقتضي ترجيح جانب الوعيد على جانب الوعد . هذا غاية تحقيق كلام المعتزلة في هذه المقام . الوجه الثاني في ترجيح جانب الوعيد على جانب الوعد : أن آيات الوعيد خاصة ، وآيات الوعد عامة ، والخاص مقدم على العام . الوجه الثالث : أن الناس جبلوا على الفساد والشر ، فكانت الحاجة إلى الزاجر أشد ، فكان جانب الوعيد راجحا . أجاب أصحابنا عن الترجيح الأول من وجوه :